December 20, 2016

تخفيف القيود المفروضة على أسواق العمل في الخليج

عمّال عائدون إلى مساكنهم بعد يوم من العمل في الدوحة في قطر (صورة من وكالة الأسوشيتد برس/بعدسة مايا أليروزو)

لا يخفى على أحد أن أسواق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي تتصف بالجمود: فهي تحافظ على حصة مواطنيها من وظائف القطاع العام، وتعامل المواطنين معاملة تفضيلية في هياكل ملكية الشركات الخاصة وتفرض قوانين صارمة تقيّد تحركات العمال الأجانب. ولقد مارست مصادر خارجية وداخلية ضغوطات متزايدة على الدول الخليجية للتخفيف من صرامة هذا النظام. أولًا، سلّطت الضغوطات التي مارستها منظمات حقوق العمال ومجموعات المهاجرين الضوء على ظروف ملايين العمال الأجانب، الذين يتقاضون بمعظمهم أجورًا متدنية، والذين يجدون في عملهم في الدول الخليجية سبيلًا لإرسال حوالات مالية إلى بلدانهم. ثانيًا، دفعت الضغوطات المحلية، التي ترتّبت عن انخفاض عائدات النفط وتقليص الإنفاق المالي، الدول إلى استنباط طرق لزيادة إيرادات البلاد من خلال الرسوم المفروضة على القوى العاملة الأجنبية، وإلى تحسين القدرة التنافسية لأسواق العمل المحلية ليشغل في نهاية المطاف عدد أكبر من المواطنين الوظائف التي يشغلها الأجانب عادًة للتخفيف عن الدولة عبء إنفاق مبالغ ضخمة على رواتب موظفي القطاع العام.

وثمة خطوات تصاعدية تتخذ حاليًا في قوانين أسواق العمل في مجلس التعاون الخليجي.

فنشطت البحرين مؤخرًا في تعديل القوانين التي ترعى العمالة الأجنبية، في محاولة لزيادة إيرادات الدولة من رسوم التأشيرات، ولاسيما لمحاولة إعادة تشكيل العمالة الأجنبية في البلاد، كمّا ونوعًا. وبفضل التعديلات الجديدة، أصبح تصريح العمل مرنًا، مما يسمح لكلّ عامل أجنبي يعيش في البحرين بتغيير عمله والعمل لصالح رب عمل مختلف من دون أن يضطر إلى العودة إلى دياره وتقديم طلب جديد للحصول على الوظيفة (مما يجنبه تكاليف شركات استقدام العمالة التي تؤدي دور الوسيط بين العامل ورب العمل). يمنح ذلك أيضًا الشركات مرونًة أكبر في انتقاء موظفيها، إذ سيتواجد عمال أكثر تنافسية وخبرة في البلاد، مما سيؤدي إلى خفض تكلفة التوظيف.

ومن منظار حقوق العامل، سيعتبر بقاء العامل في البحرين خلال الفترة الانتقالية بين وظيفتيه السابقة واللاحقة قانونيًا، وسيتمكن بالتالي من التوقيع على عقود عمل قصيرة الأمد من دون أن يقع ضحية السوق غير الشرعية أو السوق السوداء، اللتين تقتاتان على العمال المستضعفين الذين يتجاوزون مدة الإقامة المحددة في تأشيرة الدخول. ولا يزال يتعين على كل عامل أجنبي حاصل على تأشيرة عمل عادية إعلام رب عمله إن نوى أن يتغيب عن عمله (أو أن يسافر إلى الخارج) لمدة 15 يومًا أو أكثر.

ولعّل إحدى نقاط ضعف نظام التأشيرة المرن الجديد تتمثل بتكاليفه الباهظة. فغالبًا ما يعادل أو يفوق رسم الاستمارة الذي يبلغ مئتي دينار بحريني، أي حوالى 530 دولارًا أمريكيًا، الراتب الشهري لموظف في القطاع الخدماتي أو لعامل منزلي. ووفقًا لهيئة تنظيم سوق العمل، فإن متوسط الراتب الشهري الذي يتقاضاه العامل الأجنبي والذي يقدّر بمئتي دينار لقاء عمله في أهم مؤسسات القطاع الخدماتي (كالفنادق والمطاعم والبناء والتجارة)، يبقى أقل من نصف الراتب الذي يتقاضاه المواطن البحريني. وتصون أحكام الحد الأدنى للأجور رواتب أعلى للمواطنين البحرينيين العاملين في القطاع الخاص.

أما في قطر، فأقرّ قانون جديد للعمل، يعرف بالقانون رقم 21 للعام 2015، في 13 كانون الأول/ديسمبر. أجريت الإصلاحات في الوقت المناسب، إلا أن قطر لا تزال تفرض بعضًا من أكثر الأحكام صرامة على العمالة الأجنبية مقارنة بنظيراتها في مجلس التعاون الخليجي، بما في ذلك القوانين التي تفرض على العامل الأجنبي أن يُعلم رب العمل عن مغادرته للبلاد. يبقي هذا القانون الجديد على القيود التي تقيّد حركة التنقل. ويتعين على العمال (باستثناء المقيمين الأجانب الحاصلين على تأشيرة “مستثمر”) أن يُعلموا أرباب عملهم إن أرادوا مغادرة البلاد، سواء للذهاب في إجازة أو لتلبية حالة طارئة عائلية أم صحية. وإن لم يسمح رب العمل للعامل بمغادرة البلاد، يحق للعامل أن يتظلم أمام لجنة التظلمات الجديدة، التي من المفترض أن تنظر في التظلمات في خلال ثلاثة أيام. ويتعين على العامل الأجنبي أيضًا أن يحصل على ورقة عدم ممانعة عند انتهاء مدة عقد عمله ليسمح له أن يبقى في البلاد ويشغل وظيفة أخرى لصالح رب عمل مختلف. وبالنسبة إلى العديد من العاملين، فإن تكاليف العودة إلى بلدانهم وتأمين وسيلة نقل والعمل مع رب عمل جديد قد تعيدهم سنين إلى الوراء جراء تسديد أقساط الديون.

ولقد بذلت المملكة العربية السعودية جهودًا مؤخرًا لإصلاح قوانين العمل النافذة في بلادها، إلا أنها بذلت جهودًا أكبر لإبقاء المواطنين في القطاع الخاص. وأقر المرسوم الملكي رقم م/46 المؤرخ 12/07/1403هـ في 18 تشرين الأول/أكتوبر 2015، وضمن تمتّع المواطنين بمجموعة من المزايا، بما فيها إجازة الأمومة والتعويض عن فسخ العقد واستحقاق الإجازة السنوية خلال فترة الإخطار. أما بالنسبة إلى العمال الأجانب، فيقدم القانون ضمانات تمكنهم من التحكم مجددًا بجوزات سفرهم، وتضمن لهم تقاضي رواتبهم في الوقت المناسب وحصولهم على نسخة من عقد العمل.

كما عدّلت الإمارات العربية المتحدة في العام 2015 قواعد فسخ العقود، ويعود ذلك جزئيًا إلى الرغبة في حماية العاملين الذين لم يتقاضوا أجورهم لستين يوم أو أكثر. ويؤدي تمتع العامل بحق فسخ عقد عمل ما إلى ضمان إمكانية الحصول على وظيفة جديدة بشكلٍ قانوني وقد يسمح له حتى بمغادرة البلاد.

وقد تتضمن المرحلة التالية من تنظيم العمالة الأجنبية أحكامًا للحصول على إقامة طويلة الأمد مشابهة لنموذج البطاقة الخضراء الأمريكية أو “الغرين كارد الأمريكية”. وفي المملكة العربية السعودية، تهدف هذه الخطة إلى تحفيز الإنفاق والاستثمار المحليين من جانب العمال الأجانب، مما يعيق تدفقات الحوالات المالية. وفي جميع هذه الحالات، ثمة جهود تبذل لإعادة تقييم العلاقة بين العمال الأجانب والاقتصادات الوطنية الخليجية، بما يتعلق بالاعتماد على العمالة الأجنبية والضغط الذي تمارسه هذه العمالة على رواتب قطاع الخدمات. وتتضمن الأهداف الإضافية لإصلاح أسواق العمل جعل دول مجلس التعاون الخليجي أماكن لا تحتوي على هذا الكمّ من المرور العابر، والاعتداءات والإتجار بالبشر. وستشكل القدرة على الاستيلاء على قسم أكبر من مداخيل العمال الأجانب بواسطة الرسوم الحكومية، وزيادة إنتاجيتهم في الوقت عينه فيما يتنقّلون من عمل إلى آخر، وجعلهم أقل عرضة للعمل غير المنظم والاعتداء، تحسينات مهمة في الحوكمة.
ماركت واتش Market Watch مدوّنةٌ أسبوعية من إعداد الباحثة المقيمة الأولى في معهد دول الخليج العربية في واشنطن كارين إ. يونغ، تهدف إلى تقديم آراء من نقاط التقاء مجالَي السياسة والمال في منطقة الخليج.