February 5, 2018

معركة عدن لا تحتل وحدها الواجهة في اليمن

وزراء خارجية الإمارات عبدالله بن زايد آل نهيان، الأول من اليسار، وبريطانيا بوريس جونسون، الثاني من اليسار، والولايات المتحدة ريكس تيلرسون، الثالث من اليمين، والسعودية عادل الجبير، الأول من اليمين، بعد اجتماع حول اليمن في 16 شباط/ فبراير 2017 في باد نوينار بالقرب من مدينة بون، ألمانيا. (الصورة لأسوشيتد برس/ برندان سميالوسكي، مجموعة).

اشتدت حدّة الصراع بين الانفصاليين في جنوب اليمن وعناصر من الحكومة اليمنية المنفية المستقرّين في عدن وتفجّر الوضع في أواخر كانون الثاني/ يناير. فاستفاض محللو الوضع في اليمن بالتعليقات، محذرين من أن الأحداث تشير إلى اتساع الشرخ بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة أي العضوين الرئيسيين في التحالف العسكري الذي يسعى إلى إعادة حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى الحكم. وفي حين يزيد اندلاع الأعمال العدائية بين القوات الانفصالية في عدن التي تحظى بالدعم الإماراتي وتلك التي تمثّل حكومة هادي الوضع تفاقمًا تُعزى أسبابه إلى التظلمات الجنوبية القديمة أكثر من الخلافات القائمة بين الرياض وأبوظبي. وأرسلت الحكومتان مبعوثين من كبار المسؤولين العسكريين إلى عدن من أجل وقف إطلاق النار وإعادة صبّ التركيز على النضال المتواصل لهزيمة المتمردين الحوثيين وهو هدف ما زال التحالف عاجزًا عن تحقيقه بعد مرور ثلاثة أعوام تقريبًا على دخوله الحرب في اليمن.

وفي الوقت عينه حدث أمر آخر يبدو على غاية من الأهمية لتحقيق هذا الهدف كاد يمرّ مرور الكرام: ففي 25 كانون الثاني/ يناير أفادت وكالة رويترز أن محمد عبد السلام، وهو من كبار قادة المتمردين الحوثيين وأحد المفاوضين الرئيسيين باسم الجماعة، قد سافر إلى عُمان برفقة مواطن أمريكي أطلق الحوثيون صراحه بعد أشهر من الاحتجاز وذلك بعد صدور قرار بتسليمه إلى الحكومة العُمانية.

ولكن ما يثير الاهتمام هو نية المفاوض الحوثي البقاء في العاصمة العُمانية مسقط على ما يبدو لأجل غير مسمّى. ويشير ذلك إلى أن قيادة الحركة تبدي استعدادًا لمعرفة ما إذا كانت أطراف أخرى في النزاع تميل إلى استئناف المحادثات بشأن ما قد تتطلّبه إعادة إحياء مفاوضات السلام المتوقفة منذ زمن طويل. واتصل بالفعل بعض ممثلي الحكومات الغربية بعبد السلام في حين ينظر آخرون في الأمر.

ولم يتّضح بعد ما إذا كانت الولايات المتحدة من بين الدول التي سترسل مسؤولين لجسّ النبض من الطرف الحوثي إلا أن امتناعها عن ذلك سيكون بمثابة تقصير دبلوماسي. ويعود الاتصال الأخير الذي جرى بين الولايات المتحدة والحوثيين إلى كانون الأول/ ديسمبر 2016 عندما قام وزير الخارجية آنذاك جون كيري بمحاولة يائسة باءت بالفشل في نهاية المطاف للخروج من المأزق وايجاد أرضية مشتركة تسمح باستئناف المفاوضات. وفي حين لا يتوقّع أحد من خلف كيري، ريكس تيلرسون، أن يتدخل شخصيًا في هذه المرحلة إذ يستطيع السفير الأمريكي في عُمان القدوم بسهولة أو يمكن لماثيو تولر، السفير الأمريكي في اليمن المقيم في السعودية منذ إغلاق السفارة الأمريكية في صنعاء في شباط/ فبراير 2015 تولّي الأمر. ولا ينبغي تفويت أي فرصة – مهما قلّت احتمالاتها – لوضع حدّ للحرب في اليمن والابتعاد عن النزاع المسلّح والتفاوض على تسوية.

وينطبق ذلك بشكل خاص إذا أتاح النقاش فرصة لتوفير لمحة عن الشروط التي قد يكون الحوثيون مستعدين لقبولها كجزء من خطة لوقف الأعمال العدائية في اليمن والسماح للمجتمع الدولي بتركيز طاقته على التخفيف من المأساة الإنسانية التي أبلت بها الحرب المدنيين في اليمن. وفي حين يمكن التكهّن بالحد الأدنى من الشروط التي قد تطالب بها السعودية – أي وضع حد للهجمات الحوثية عبر الحدود وإعادة تشكيل حكومة معترف بها دوليًا وتراجع الوجود الإيراني في اليمن – لطالما لفّ الغموض ما سيرضى به الحوثيون.

ويترافق هذا الجهد الذي تبذله الولايات المتحدة مع التململ المتزايد في الأشهر الأخيرة على ما يبدو في صفوف بعض كبار المسؤولين في واشنطن من جرّاء الصراع الذي طال أمده في اليمن. ومنذ أواخر عام 2017 اجتمعت اللجنة المعروفة باسم اللجنة “الرباعية” (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والسعودية والإمارات) ثلاث مرات وشارك تيلرسون في الجلسة الأخيرة التي عُقدت في باريس. وفي غضون ذلك صدرت مؤخرًا عن البيت الأبيض بيانات حثّت أطراف النزاع كافة على ضمان تسليم الأغذية والأدوية لليمنيين الذين يعانون من سوء تغذية حاد ومن تفشي وباء الكوليرا في آفة تُعتبر الأسوأ في التاريخ الحديث.

غير أن الاجتماعات والتصريحات لا تضع استراتيجية محددة وتحتاج الإدارة الأمريكية إلى خطة شاملة لإنهاء الحرب. ومن العناصر التي ينبغي أن تشملها هذه الخطة ممارسة ضغوطات أكبر على السعودية لثنيها عن محاولة إخضاع الحوثيين من الجو وحملها على صب تركيزها على التفاوض للتوصل إلى تسوية بشأن الحرب. وخلّف الضغط الأمريكي أثرًا على الرياض كما اتضح في أواخر عام 2017 عندما بعثت استراتيجية أمريكية واشنطن على توجيه رسالة قوية ساعدت على إقناع السعوديين بالليونة والسماح لرئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري بالتراجع عن استقالته التي كانت من تنظيم السعوديين أنفسهم. وفي حالة اليمن بحد ذاته تأتي على الأرجح مبادرات الرياض الأخيرة كاستجابة للقلق الأمريكي بشأن ضرورة تلبية احتياجات اليمنيين الملحّة ولا سيّما الالتزامات بضخ مبلغ ملياري دولار في البنك المركزي اليمني للتخفيف من وطأة أزمة السيولة الخطيرة فضلًا عن تخصيص مبلغ 1.5 مليار دولار لخطة المساعدة الإنسانية – بالرغم من العقبات اللوجستية الهائلة التي تواجهها هذه الأخيرة.

وفي الوقت عينه تراجعت على ما يبدو الأعمال العدائية في عدن بين قوات الحركة الانفصالية الجنوبية وتلك الموالية لحكومة هادي من دون أن تؤثّر في التحالف الذي تقوده السعودية. وأفاد زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي ومحافظ عدن السابق عيدروس الزبيدي أن الانفصاليين ما زالوا ملتزمين بنضال التحالف ضد التمرّد الحوثي. وأضاف قائلًا “لدينا مهام لنؤديها إلى جانب التحالف العربي وعملية عاصفة الحزم” ومشيرًا إلى أن “شعب الجنوب له الحق في دولته الخاصة عندما يصبح المجتمع الدولي مستعدًا لذلك.” وتجلّى الدعم الإماراتي للمجلس الانتقالي الجنوبي واضحًا منذ أشهر ولم تظهر أدلة على استياء سعودي شديد من موقف الإمارات. وقد يكمن السبب في عدم امتلاك الرياض استراتيجية واضحة لإنهاء الحرب بالرغم من استعدادها لدخول عامها الرابع من التدخل العسكري في اليمن. وفي هذا السيناريو قد يكون أي اندفاع إيجابي موضع ترحيب حتى لو اقتصر على تدريب إماراتي للميليشيات الجنوبية لتحويلها إلى قوات أمن في حين تواصل قواتها الخاصة الضغط على تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية.

إلا أن مخطط عبد السلام للإقامة فترة طويلة في العاصمة العُمانية يشير إلى احتمال وجود تطورات أخرى تستدعي النظر فيها إذا كانت الأطراف المعنية على استعداد لانتهاز هذه الفرص. وبغضّ النظر عن مكان عقد المحادثات واحتمال مغادرة المفاوض الحوثي مسقط غدًا لا بدّ من مواصلة السعي إلى التزام بنّاء إذا كان هناك بصيص أمل بإنهاء الحرب في اليمن.

يشغل ستيفن أ. سيش منصب نائب الرئيس التنفيذي لمعهد دول الخليج العربية في واشنطن، وكان في السابق سفير الولايات المتحدة في اليمن.