April 14, 2016

سياسة الأعمال في الخليج

على الرغم من التغييرات الراهنة في مجلس التعاون لدول الخليج في ما يخص العلاقة بين الدولة والاقتصاد في ظلّ التحضير للتحوّل المبشَّر به لما بعد النفط، بقيت جوانب كثيرةٌ من العلاقات بين الدولة وقطاع الأعمال على حالها. وسوف ينعقد هذا الأسبوع في جورجتاون مؤتمرٌ على مدى يومين، يبحث فيه العلماء في العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص في الخليج، في إطار مشروع سوف يمتدّ على عددٍ من السنوات من إعداد باحثين في جامعة جورجتاون في الدوحة وجامعة إكستر في المملكة المتحدة. وتتمحور بعض أهمّ الأسئلة التي يطرحها الباحثون حول استدامة البنية التحتية الاجتماعية والسياسية في مرحلةٍ انتقاليةٍ ضخمة يمرّ بها الاقتصاد الخليجي اليوم. إذا كان السعي اليوم إلى مجلسٍ للتعاون لدول الخليج أكثر تنوّعًا وأقلّ اتّكالًا على إصدارات النفط في عائداته المالية، فكيف للدولة أن تفاوض مخرجًا لها من القطاع الخاص؟ وهل يشكّل ذلك شرطًا مسبقًا للنمو الاقتصادي المستمر في زمنٍ انخفضت فيه أسعار النفط؟

ولا يزال وجود الدولة الكبير كمستثمرة وصاحبة صناعة وقوّةٍ محرّكة للنمو الاقتصادي مهمًّا للغاية وحقيقيًا في دول الخليج. وفي الفترة الأخيرة من التحول الاقتصادي، خلال الأزمة المالية العالمية بين العامين 2008 و2009، أظهرت تجربة الإمارات العربية المتحدة أنَ الحكومات والكيانات المرتبطة بها ليست موحّدةً بالضرورة. فقد فشل بعض المؤسسات ذات الصلة بالحكومة، فيما نال البعض الآخر دعمًا من الدولة من أجل إعادة الهيكلة وتسديد الديون. فالحكومة كشركةٍ أمّ أو مستثمرٍ أساسي ليست بالضرورة كفيلًا ائتمانيًا. إلّا أنّ أسواق الدَين الدولية ما زالت تكافح من أجل إدراج دعم دول الخليج في حسابات ديون الشركات.

وفي المقابل، قد تكون الحكومات الخليجية حريصةً على تلقين الشركات المرتبطة بها درسًا في المسؤولية الائتمانية. لكن هل ستسمح دولةً خليجية بفشل كيانٍ تابعٍ لها؟ وكيف قد تتعامل مع المنفذين ذوي الأداء السيء؟ تتعلم المؤسسات المرتبطة بالحكومة اليوم أنّه في الأجواء المالية الحالية، سوف تقدَّر الانسيابية والبراعة في العمل، وقد تصبح التحويلات النقدية من “الأهل” في خبر كان..

Gulf Business2

ويتطور بعض سياسات الأعمال هذه ضمن مسألة الأداء التنفيذي ذات الصفة العامة جدًا. أما دور الدولة، فسوف ينقسم بين حماية مصالحها المالية والمحافظة على المعايير القانونية في إدارة الشركات. ويفصّل الرسم البياني أدناه الكيانات المرتبطة بحكومة أبو ظبي- من شركاتٍ ومصارف وخدمات تابعة للحكومة أو مرتبطة بها.

وقد عمد البنك المركزي الإماراتي مؤخرًا إلى تجميد أملاك مسؤولَين رفيعَي المستوى في شركة الاستثمارات البترولية الدولية- آيبيك التابعة لحكومة أبوظبي ومنعهما من مغادرة البلاد. وشغل خادم عبد الله القبيسي، وهو أحد هذين المسؤولين، منصب العضو المنتدب لشركة الاستثمارات البترولية الدولية ورئيس مجلس إدارة شركتي آبار وأرابتيك. أما المسؤول الثاني فهو محمد بدوي الحسيني وشغل منصب المدير التنفيذي لشركة آبار. وتختص شركتا آبار وأرابتيك في الإعمار والاستثمار العقاري. وتملك آبار حصّةً أساسية تساوي 36% من أرابتيك. وتملك آيبيك، وهي تابعة بالكامل لحكومة أبوظبي، بدورها 98% من آبار. ولطالما كانت مشاريع أرابتيك في مصر تتوافق مع السياسات الخارجية الإماراتية وتخضع لإدارتها، ومع هدف الإمارات للمساعدات الخارجية الذي يتمثل بتشجيع تطوير القطاع الخاص في الشركات ذي المدخول الأصغر، على الرغم من  أنها شهدت تأخيراتٍ مستمرة.

وتعاني آبار اليوم من دَينٍ ملحوظ يتضمّن قروضًا مصرفية تفوق 5 مليار دولار أمريكي وسند دين جديد بقيمة 3.6 مليار يورو (أي ما يوازي 4.05 مليار دولار أمريكي)، ويتوجب عليها تسديد هذه الديون في مهلة 5 سنواتٍ، بحسب معلومات شركة جي بي مورغن الأمريكية. وتعتمد قدرة الشركة على البحث عن التمويل الخارجي على قربها من الدولة وحسن ائتمان هذه الأخيرة. إلّا أنّ اعتبار أنّ الدولة سوف تكفل ديون الشركات مسألةٌ اجتماعية، وليست قانونية. ولطالما هامت سياسة الأعمال الخليجية في هذه المنطقة الرمادية. فاعتبار السوق أنّ الدولة لن تسمح بفشل أحد كياناتها قد يكون خاطئًا. وتركّز دول الخليج أكثر فأكثر على الفعالية والأداء في تأمين خدماتها الاجتماعية كما في استثماراتها. وفي نهاية المطاف، تشكّل الكيانات المرتبطة بالدولة أدوات استثمارٍ ويمكنها هي أيضًا أن تشهد واقع المدخول المتراجع.

أمّا التحدي الثاني الذي تواجهه هذه الكيانات المرتبطة بالحكومة، فهو احتمال جذبها للانتباه غير المرغوب فيه نتيجة الفساد والأخطاء. وتربط كل من آيبيك وآبار اليوم علاقةً معقّدة مع صندوق تنمية ماليزيا (1MDB Fund)، وهو صندوقٌ تنموي وضعه رئيس الحكومة الماليزي نجيب تون عبد الرزاق عام 2009. فقد ضمنت آيبيك طرح سندٍ من قبل صندوق التنمية عام 2012 من أجل تمكين هذا الصندوق من بناء منشآتٍ لتوليد الطاقة. ومن أجل تأمين ضمانةٍ للسند، دفع صندوق التنمية 1.4 مليار دولار أمريكي لشركة آبار التابعة لآيبيك. وتشكّل العلاقة بين الصندوق الماليزي والإيداعات التي دخلت حساب عبد الرزاق الشخصي موضوع تحقيقٍ دولي في قضية تبييض أموال. ويكمن الخلاف بين الصندوق الماليزي وآيبيك في إعداد التقارير المالية وتسديد الدَين، إذ تزعم الجهة الأولى أنها دفعت المبلغ المتوجب عليها، في حين تقول الجهة الأخرى أنها لم تتلقَّ أي مبلغ. وتدخل في الخلاف أيضًا مشكلة حسابٍ في الجزر العذراء البريطانية لا يزال صاحبه غير واضحٍ أو مزعوم. أمّا سلسلة المعاملات المالية فتمتدّ بين كيانات الحكومة والشركات التابعة وتظهر مدى تعقيد التعامل مع صناديق استثمارٍ كبيرة الحجم ذي أدواتٍ استثماريةٍ محدودة. وتشكّل أيضًا خير دليلٍ على التقارب بين صناديق ثروات الدولة وقطاع الأعمال المحلي من جهة، وشبكةٍ أوسع من الحلفاء السياسيين والدول المجاورة من جهةٍ أخرى. وقد يؤثّر التركيز الإعلامي على آبار، وبالتالي على آيبيك وعلى الدولة نفسها، في تقييم المحفظة الائتمانية ويسلّط الضوء على قدرة الدولة على حكم أسواقها. وسوف تتفحّص الأسواق المالية الدولية بدقّة ردود فعل الدولة والشركات.


وقد حقّق النمو الذي تقوده الدولة في الخليج نجاحًا هائلًا في تشييد البنى التحتية والمدن الجديدة، بأعمالٍ تمتدّ داخل منطقة الشرق الأوسط وجنوب أفريقيا وتتخطّاها. وإنّ التقاء النمو الذي تقوده الدولة بالأسواق العالمية هو الذي يولّد توتّراتٍ جديدة، وفرصة تداخل هوية الشركات مع هوية الدولة، والعكس صحيح. وفي فترةٍ من الإصلاح والانتقال والتحوّل الاقتصادي، قد يكون ذلك فرصةً لتغيير وضع قطاع الأعمال في الخليج.

كارين إ. يونج هي من كبار الباحثين المقيمين في معهد دول الخليج العربية في واشنطن.