February 21, 2017

مجلس التعاون الخليجي: قوة للاستقرار الإقليمي

لقاء قادة "مجلس التعاون الخليجي" في المنامة، البحرين، 6 كانون الأول/ديسمبر 2016. (وكالة أنباء البحرين عبر وكالة أسوشيتد برس)

نظّم موقع “سايفر بريف” (The Cipher Brief) جلسةً مع السيدة مارسيل وهبة، رئيسة معهد دول الخليج العربية في واشنطن وسفيرة الولايات المتحدة السابقة في الإمارات العربية المتحدة، من أجل مناقشة الديناميات الداخلية في مجلس التعاون الخليجي. ووفقًا لوهبة، ترى بلدان المجلس إيران على أنها “التحدي الأمني الدولي الأساسي [بالنسبة إليها]، لكنها تتّبع مجموعة من مقاربات مبنية على أولويات متفاوتة”. إلى ذلك، قالت وهبة إن التعاون بين بلدان المجلس هو بشكلٍ أساسي في ميدان الدفاع بما أنه “ما من تنسيق قوي للسياسات في التنظيم التجاري والمالي بين دول المجلس”.

سايفر بريف: ما الدور الذي أدّاه مجلس التعاون الخليجي في تعزيز الاستقرار الإقليمي في الخليج العربي؟ وهل أدى إنشاؤه إلى زيادة التنسيق والتعاون بين الدول الأعضاء في المجلس، لا سيما في ميدان الأمن؟

مارسيل وهبة: في سنة 1981، أسست بلدان الخليج العربية، باستثناء العراق، مجلس التعاون الخليجي من أجل تعزيز مصالحها الأمنية والاقتصادية. وحدث ذلك بعد الثورة الإسلامية الإيرانية في العام 1979 ووسط الحرب الإيرانية-العراقية، اللتين سلطتا الضوء على التهديدات المحتملة التي تواجه دول الخليج من البلدان المجاورة الأكبر وعلى غياب الاستقرار الإقليمي.

إن بلدان مجلس التعاون الخليجي هي بشكلٍ أساسي دول ملكية موجهة نحو إدامة

-الوضع الراهن، ولها هدف رئيسي هو الاستقرار الإقليمي. وطالما كانت الولايات المتحدة القوة العظمى الضامنة لاستقرار الخليج وأمنه. وتستضيف عدة بلدان من المجلس منشآت عسكرية أمريكية كبيرة وتحافظ على علاقات ثنائية حيوية مع واشنطن، فضلًا عن الشراكة المتعددة الأطراف بين المجلس والولايات المتحدة.

في سنة 1984، أسس مجلس التعاون الخليجي قوات درع الجزيرة، التي يقع مقرها في المملكة العربية السعودية، وهي تتألف الآن من 40 ألف جندي في فرقتيْن. أما توجهها فهو الاستجابة السريعة ومحاربة العدوان العسكري الخارجي ضد دول المجلس ومكافحة زعزعة الاستقرار الداخلي في هذه الدول. وجرى الانتشار الكبير الوحيد لها في تدخل العام 2011 في البحرين. كما تدخلت عدة بلدان من المجلس، بما فيها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، في اليمن منذ آذار/مارس 2015.

تُلزم اتفاقية الدفاع المشترك التي أبرمتها الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي في العام 2000 بالمبدأ القاضي “بأن أي اعتداء يطال أحدها هو بمثابة اعتداء عليها كلّها”. وسعت واشنطن إلى توسيع مشروع القيادة الموحدة والدرع الصاروخي إلا أن مشاركة مجلس التعاون الخليجي العسكرية وقابلية قواته العسكرية على التعاون فيما بينها لا تزالان محدودتين.

ومع مرور الوقت، زادت دول مجلس التعاون الخليجي من التنسيق والتعاون فيما بينها. إذ تبنّت الاتفاقات المتعلّقة بالاقتصادات والتجارة (التي أبرمت عام 2001)، وتلك التي تتناول الجمارك والرسوم الجمركية الخارجية (المبرمة عام 2003) وتلك التي تتمحور حول سوق العمل المشترك (المبرمة عام 2008) فيما أرجأت اتفاقيات أخرى بما فيها تلك التي المتعلقة بالعملة الموحّدة. وحالت سلطنة عُمان، عام 2013، دون العمل بالاقتراح السعودي القاضي بتوحيد كافة الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، ويقال إنها قامت بذلك بدعم من دول أعضاء عديدة أخرى في المجلس.

سايفر بريف: ما هي الخطوات التي اتّبعها مجلس التعاون الخليجي ليتصدى لسلوك إيران الاستفزازي في المنطقة؟

مارسيل وهبة: تنظر دول مجلس التعاون الخليجي إلى إيران على أنها أكبر تحدّ أمني يتربص بها، إلا أنها تتّبع مجموعة من المقاربات المبنيّة على أولويات متفاوتة. فالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تقودان التدخل العسكري في اليمن ضد المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران وحلفائهم. ولطالما كانت الرياض، بالإضافة إلى قطر وتركيا، من أبرز رعاة الثوار السوريين الذين يحاربون نظام الأسد، الذي يعتبر أحد أهمّ الأصول الاستراتيجية التي تحظى بها إيران، بالإضافة إلى حزب الله، هذا الحزب الذي ساهم في تقديم آلاف المقاتلين لدعم النظام.

في بادئ الأمر، كانت دول مجلس التعاون الخليجي مندفعة في التحالف القائم ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). وما إن أخذت هذه الحملة تتوسّع حتى بدأت هذه الدول تخشى أن تعزز هذه الحملة موقف اثنين من أهم عملاء إيران وهما رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي والرئيس السوري بشار الأسد. كما ضيّق مجلس التعاون الخليجي الخناق على حلفاء إيران في لبنان وأقنع الجامعة العربية بأن تصنّف حزب الله منظّمة إرهابية، وعمد إلى وقف تقديم المساعدات إلى الجيش اللبناني وإلى طرد بعض المغتربين اللبنانيين من الدول الخليجية.

وبقدر ما تعتبر إيران أبرز قوة مزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط، يضطلع مجلس التعاون الخليجي بدور حاسم في احتواء الخطر. يعتبر البعض أن التنافس بين المعسكرين هو المسبّب الرئيسي في زعزعة الاستقرار مما يدفعهم إلى لوم الفريقين وإن بشكل متفاوت.

سايفر بريف: ما هو الدور الذي اضطلعت به الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي في الصراع المستمر في اليمن؟

مارسيل وهبة: سارعت كافة الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، باستثناء سلطنة عُمان، إلى الانضمام إلى التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية والذي دخل الحرب الأهلية اليمنية في آذار/مارس 2015، مما عكس صورة الانشقاق الدائم في صفوف المجلس. وفي حين قدّمت قطر والكويت والبحرين طائرات حربية لدعم الحملة الرامية إلى إحياء الحكومة الشرعية التابعة للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، ساهمت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بدورها في تقديم وحدات مدرّعة ومشاة. وفي العام 2016، وبعد طرد قوات المتمردين الحوثيين من مدينة عدن الساحلية الجنوبية، حوّلت القوات الخاصة الإماراتية انتباهها إلى التنظيم اليمني التابع لتنظيم القاعدة، أي تنظيم القاعدة في جزيرة العرب‎، لتساهم في طرد مقاتليه من مدينة المكلا، التي كان قد استولى عليها تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وبسط سلطته عليها لمدة عام تقريبًا. وفي الوقت نفسه، تلتزم سلطنة عُمان بلعب دورها المفضل كوسيطة إقليمية، وتشارك بشكل فعال في الجهود المبذولة بقيادة الأمم المتحدة للتوصل إلى تسوية للنزاع عن طريق التفاوض.

سايفر بريف: ما هو مستوى التعاون بين الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي على الصعيد الاقتصادي؟ وماذا فعل المجلس ليعوّض عن هبوط أسعار النفط العالمية مؤخرًا؟

مارسيل وهبة: ما من تنسيق ملحوظ بين دول مجلس التعاون الخليجي بشأن السياسات المتعلقة بالتجارة أو بالتنظيم المالي. إلا أنها تتعاون فيما بينها لتتمكن من فرض ضريبة القيمة المضافة التي من المقرر أن تصبح نافذة في أوائل العام 2018. وغالبًا ما تعيد دول مجلس التعاون الخليجي الكرّة في تنافسها على إنشاء مراكز مالية ومناطق حرة لجذب الاستثمارات الأجنبية. أما بالنسبة إلى الواقع المالي الذي يواجهه المجلس، فلقد قلّ التنسيق فيما بين الدول لكننا نرى دعمًا سياسيًا للإجراءات التقشفية، بما فيها تخفيض الدعم على الوقود والكهرباء والمياه. ويمكن لكل دولة أن تلمّح إلى وجوب اعتماد مثل هذه التدابير التقشفية وسط جيرانها لتبرر لمواطنيها الإصلاحات التي تقوم بها.

لم يعد الإنفاق الحكومي السخي على البنية التحتية ورواتب الموظفين في القطاع العام ومخصصاتهم وعلى المياه والكهرباء المدعومتين ممكنًا، إلا أن ثمة فارق ملحوظ في صحّة كل من دول مجلس التعاون الخليجي المالية. وتواجه سلطنة عُمان والبحرين أكثر معوّقات الموازنة إحكامًا، فيما تواجه المملكة العربية السعودية ضغوطًا لجهة تأمين فرص عمل منتجة لمواطنيها الكثر. وثمة ظاهرة مهمة أخرى في الحوكمة المالية الخليجية وهي الشعبية التي تحظى بها خطط الرؤية الوطنية التي يتم الإعلان عنها على نطاق واسع لتوثيق قدرة الدولة على إصلاح الإقتصاد. إلا أنه، وحتى هذه الساعة، يبقى إصدار سندات الدين، واللجوء للسندات والقروض التدبير المالي الأمثل لحل مشكلة تراجع عائدات النفط التي تزداد في مجلس التعاون الخليجي.

سايفر بريف: كيف تقيمين الوضع الحالي للعلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي وحكومة الولايات المتحدة؟ وما السبيل إلى تحسين هذه العلاقات؟

مارسيل وهبة: شهدت دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة توترًا غير مألوف في علاقاتها منذ أن اعتزمت الولايات المتحدة الانخراط مع إيران والتوقيع على الاتفاقية النووية للبرنامج النووي وهي خطة العمل الشاملة المشتركة في تموز/يوليو 2015. وأقدم الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، لطمأنة حلفائه الخليجيين، على دعوة قيادة مجلس التعاون الخليجي إلى قمة في كامب ديفيد في شهر أيار/مايو 2015، الذي خلص إلى إعادة التأكيد على ما تعهدت به الولايات المتحدة من “ردع ومواجهة العدوان الخليجي المتربص بحلفائنا وشركائنا”. وعلى الرغم من أن مجلس التعاون الخليجي قد دعم لاحقًا الاتفاق النووي الإيراني، استمرت التوترات في العلاقات في خلال تولي أوباما الرئاسة، إلا أن القمة التي انعقدت في شهر نيسان/أبريل 2016 في الرياض عزّزت التعاون بين الطرفين لجهة مكافحة الإرهاب والحفاظ على الأمن البحري.

وفي المقابل، شعرت أغلبية دول مجلس التعاون الخليجي بالغبطة بعد أن أعربت إدارة ترامب عن نيتها بتشديد العقوبات على إيران وباستعراض قوتها فورًا عبر إعادة تموضع المدمرة الأمريكية يو إس إس كول قبالة الشاطئ اليمني على خلفية هجوم حوثي على سفينة حربية سعودية. ويمكن إضفاء بعض التحسينات على العلاقات بين الولايات المتحدة ومجلس التعاون الخليجي عبر فرق العمل التي أنشئت في خلال قمة كامب ديفيد والتي تعمل على حلّ قضايا عدّة كأمن الحدود على سبيل المثال، ومكافحة تمويل الإرهاب، والأمن السيبراني أو الإلكتروني وحماية البنية التحتية الحيوية

هذه المقالة نشرت أصلا من قبل سايفر بريف.

السفيرة مارسيل م. وهبة هي رئيسة معهد دول الخليج العربية في واشنطن.