December 19, 2017

كيف ستقرأ دول الخليج استراتيجية ترامب للأمن القومي؟

عندما انتخب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة قبل أكثر من عام، تفاءل بذلك حلفاء واشنطن العرب الخليجيون عمومًا. فقد كانوا مغيبين جدًّا خلال ولاية الرئيس باراك أوباما الثانية لدرجة أن أي تغيير سيكون في موضع ترحيب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعلن عن استراتيجية الأمن القومي في واشنطن العاصمة، 18 كانون الأول (تصوير إيفان فيوتشي/ اسوشييتد برس)

عندما انتخب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة قبل أكثر من عام، تفاءل بذلك حلفاء واشنطن العرب الخليجيون عمومًا. فقد كانوا مغيبين جدًّا خلال ولاية الرئيس باراك أوباما الثانية لدرجة أن أي تغيير سيكون في موضع ترحيب. وكان من المتوقع أن يكون عدد الشكاوى الموجهة لهم بخصوص الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة من إدارة ترامب أقل بكثير من تلك التي كان يوجهها البيت الأبيض الجمهوري أو الديمقراطي تقليديًّا، وعززتها بشكل خاص خطابات حملة ترامب الانتخابية ضد إيران.

وحتى الآن، لم يخيب أملهم. وسوف يرحبون بشكل عام بمضمون إستراتيجية الأمن القومي (NSS) لإدارة ترامب، التي صدرت في الثامن عشر من كانون الأول/ديسمبر، والتي تحدد محور السياسة الخارجية الأمريكية بزعامة ترامب. إن الأهداف الرئيسية الثلاثة للشرق الأوسط -مكافحة “الإرهابيين الجهاديين”، والحيلولة دون هيمنة “أي قوة معادية للولايات المتحدة”، وضمان “استقرار سوق الطاقة العالمي”- تتفق تمامًا مع المصالح الوطنية لكل دول الخليج العربية.

ما الذي ستقرأه دول الخليج في استراتيجية الأمن القومي (NSS)

ولن تولي دول الخليج العربية اهتمامًا يذكر بالمحتوى الايديولوجي، الذي غالبًا ما يكون حادًّا في السياسة الداخلية في استراتيجية الأمن القومي. وستكون أقل قلقًا من بعض الدول الأخرى، لا سيما في أوروبا، من خلال التناقضات الظاهرة بين الفقرات التي هي تكرار للقيم التقليدية وللنهج الأمريكي القائم، وبين العناصر الجديدة التي تعكس أجندة ترامب “أمريكا أولا”. إن المصالح الخليجية العربية محدودة تمامًا، وبالتالي فإنها ستركز بشكل عام على تلك الجوانب من إستراتيجية الأمن القومي التي يبدو أنها تعالج مباشرةً مخاوفها المحدودة نسبيًّا.

والأهم من ذلك كله، وكما هو الحال مع العديد من الشركاء الأمريكيين في جميع أنحاء العالم، سوف يرحبون بقوة بالالتزام الواضح باستراتيجية الأمن القومي NSS الجديدة من أجل تثمين واحترام، وإعطاء الأولوية للشركاء الأمريكيين في جميع أنحاء العالم، وخاصة لدور واشنطن القيادي في العالم. من الواضح أن “أمريكا أولا” لا تُفسر من قبل الإدارة على أنها نوع من العزلة الجديدة، كما دعا بعض أنصار ترامب أو كما كان يخشى الكثيرون، أو كما قد يفهم ضمنا من التاريخ السحيق للعبارة نفسها. وبدلاً من ذلك، فإن NSS تلزم واشنطن بشكل لا لبس فيه بالحفاظ على التزاماتها العالمية والإقليمية وبتوسيعها في بعض الحالات.

إذا بدا أن هناك تناقضًا في الوثيقة، وهو ما يتجلى في الفقرة الأولى من المقدمة، بين “استراتيجية ذات واقعية مبدئية تسترشد بالنتائج، وليس أيديولوجية”، وهذا في الوقت ذاته تقريبًا “يستند إلى إدراك أن المبادئ الأمريكية هي قوة دائمة للخير في العالم”، فإن هذا لن يثير استغراب الكثيرين في منطقة الخليج. في الواقع، من المرجح أن يرحب حلفاء واشنطن من دول الخليج العربية بالتأكيدات المتكررة بأن “نمط الحياة الأمريكية لا يمكن فرضه على الآخرين”، وأن القيم لن تكون سمة مميزة لشركاء واشنطن حول العالم، ولكن المصالح المشتركة والنتائج المرجوة سوف تكون. وعلى وجه الخصوص، سيرحبون بالتأكيد على أنه “لن نفرض قيمنا على الآخرين. إن تحالفاتنا وشراكتنا وتحالفاتنا تقوم على أساس الإرادة الحرة والمصالح المشتركة”.

ومن المرجح أن تعطي دول الخليج العربية وزنًا أكبر للفقرات التي تؤكد على طابع الصفقات لشراكات واشنطن بدلاً من القراءات المعهودة من الحاجة إلى نشر حقوق الإنسان والديمقراطية والقيم الأمريكية التقليدية الأخرى. ومع ذلك، فإن الفقرات التي تؤكد على هذه القيم، وخاصةً حقوق المرأة، ستكون أقل إشكالية من التصريحات التي انتشرت في الماضي، وبشكل خاص في المملكة العربية السعودية، بالنظر إلى الإصلاحات الهامة في مجال التمييز على أساس الجنس الجاري تنفيذها حاليًّا في المملكة.

وعلاوة على ذلك، فإن معظم دول الخليج سوف ترحب ترحيبًا قويًّا بتأكيد NSS على أن “الولايات المتحدة قد تعلمت أنه لا التطلعات نحو التحول الديمقراطي ولا فك الارتباط يمكن أن يعزلنا عن مشاكل المنطقة”. وتفيد هذه الفقرة بأن واشنطن قد انجذبت إلى ما تعتبره دول الخليج دروسًا صحيحة مستقاة من اضطرابات الربيع العربي، مع الإدراك بأن استمرار الدور الأمريكي القوي في الشرق الأوسط والخليج أمر لا غنى عنه. هذا  بالضبط ما تريد سماعه معظم هذه الحكومات، (ربما باستثناء قطر، بسبب دعمها لجماعة الإخوان المسلمين في مصر وجمهوريات عربية أخرى). من المرجح أن ينظر إلى الملاحظة الإضافية القائلة بأنه “يجب أن نكون واقعيين في توقعاتنا للمنطقة”، على أنها  تعزيز للرواية المهيمنة في معظم بلدان الخليج، التي تؤيد التحولات السياسية والاجتماعية المعيّرة بدقة والتي تدار من الأعلى إلى الأسفل، بعكس أعمال الشغب الثورية غير المنضبطة. وللتأكيد على هذه النقطة، تؤكد NSS على: “سنشجع الإصلاحات التدريجية كلما كان ذلك ممكنًا”.

أساسيات الشراكة

هناك الكثير في NSS لطمأنة حلفاء واشنطن الخليجيين العرب حول الأهمية التي توليها إدارة ترامب للتحالفات مع الشركاء التقليديين في الشرق الأوسط. في الواقع، يتفاخر ترامب في مذكرته التمهيدية بأنه “قد جددنا صداقاتنا في الشرق الأوسط”، وهذا بالتحديد ما كانت تتمناه دول الخليج العربية في أعقاب سنوات من العزلة من إدارة أوباما. وسيرحبون بشكل خاص بالالتزام بأنه “سنحتفظ بالوجود العسكري الأمريكي الضروري في المنطقة لحماية الولايات المتحدة وحلفائنا من الهجمات الإرهابية والحفاظ على توازن قوى إقليمي ملائم”. لا توجد إشارة إلى “استدارة نحو آسيا” أمريكية كبيرة- وهو المبدأ الذي أثار قلقا كبيرا في الخليج في عهد أوباما.

إن تركيز استراتيجية الأمن القومي NSS غير المعتاد على ازدهار الولايات المتحدة والأمن الاقتصادي من المفترض أن يعمل لصالح دول الخليج. ولدى معظم هذه الدول موازين تجارية ممتازة مع الولايات المتحدة، وتعمل كأسواق رئيسية للصادرات الأمريكية بشكل عام وللسلع والخدمات المتعلقة بالأمور الدفاعية بشكل خاص. وبقدر ما تقيّم إدارة ترامب علاقاتها الدولية القائمة على ميزان مدفوعات تجاري، فإن بلدان الخليج تكون في وضع يمكنها من المطالبة بمكانتها كشركاء مثاليين. وعلاوة على ذلك، فإن النداءات المتكررة من أجل المزيد من “تقاسم الأعباء” بين الشركاء الأمريكيين حول العالم، والعتاب بشأن “التحديث واكتساب القدرات اللازمة، وتحسين الاستعدادات، وزيادة حجم قواتهم” ستساعد على تعزيز قضية دول الخليج من أجل تحويل التكنولوجيا وبيعها أسلحة بأحدث التقنيات. فعلى سبيل المثال، تسعى الإمارات العربية المتحدة لشراء الجيل الخامس من الطائرات المقاتلة من طرازF-35، وتسعى المملكة العربية السعودية إلى الحصول على منظومة الدفاع الجوي الصاروخي (ثاد) المضادة للصواريخ. كما أن خطاب تقاسم الأعباء يعزز أيضًا قضية التدخل الذي تقوده السعودية في اليمن، والذي كثيرًا ما يوصف في خطاب واشنطن بأنه مأزق عسكري وأزمة إنسانية تحبس الأنفاس. ومع ذلك، إذا ما أُخذ تقاسم الأعباء على محمل الجد، فإن حملة اليمن، مهما كانت عيوبها وأوجه فشلها، يجب أن تعتبر جزئيًّا استجابة مجدية لهذا المطلب.

قد يتوقع البعض أن تستاء دول الخليج العربية من بعض الفقرات في NSS التي تُعرّف “الهيمنة على الطاقة” على أنها هدف أمني وطني جديد للولايات المتحدة. في الواقع، ولندع الخلافات جانبًا، من غير المرجح أن يتسبب هذا بأي قلق. ويعرف النص مصطلح “الهيمنة على الطاقة”، وهو مصطلح مبالغ فيه، بإسلوب عملي متواضع على أنه “الموقف المركزي لأمريكا في نظام الطاقة العالمي كمنتج ومستهلك ومبدع رئيسي”. وهذا ليس جديدًا ولا يشكل مشكلة بالنسبة لدول الخليج العربية. وعلاوة على ذلك، لم تعد الولايات المتحدة منذ فترة طويلة تشكل سوقًا للصادرات الرئيسية لمعظم منتجات الطاقة الخليجية، في حين أن أسواقها في جنوب وشرق آسيا لا يبدو أنها مهددة. لقد كانت التغيرات التكنولوجية وغيرها من التغيرات التي أدت إلى وفرة في الطاقة العالمية لا مفر منها، ولأن معظم منتجات الطاقة والأموال قابلة للتبادل التجاري، فإن “الهيمنة على الطاقة” من قبل الولايات المتحدة كما هي معرفة بهذه الطريقة لا تشكل تهديدًا اقتصاديًّا ولا أمنيًّا لدول الخليج العربية المصدرة للطاقة. في الحقيقة، إن تعهدات NSS في “العمل مع الحلفاء والشركاء لحماية البنية التحتية للطاقة العالمية من التهديدات الافتراضية والمادية”، و”تشجيع البلدان الأخرى على تطوير مخزوناتها النفطية الاستراتيجية” ستكون تطمينًا جوهريًّا.

إيران

إن دول مجلس التعاون الخليجي، التي لها جميعًا علاقات شراكة وثيقة مع الولايات المتحدة، لديها العديد من الاختلافات، ربما أكثر ما يوضحها بشكل بارز هي المقاطعة المستمرة لقطر من قبل المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين ومصر. لكنهم يتفقون بشكل أساسي على أن إيران تشكل أخطر تهديد إستراتيجي لمصالحهم وللمنطقة. وهناك الكثير في NSS مما يعزز اعتقادهم بأن إدارة ترامب تتخذ موقفًا أكثر صرامة تجاه طهران ووكلائها، ولو في الخطاب السياسي على الأقل. وكثيرًا ما تم تعريف إيران وكوريا الشمالية على أنها “أنظمة مارقة”، وهي عبارة تم التخلص منها خلال السنوات الثماني الكاملة لإدارة أوباما. وتُتهم إيران بشكل مباشر برعاية “الإرهاب في جميع أنحاء العالم” و”تطوير صواريخ باليستية بقدرات أكبر”، ومن المحتمل أنها تواصل بحثها وتطويرها لأسلحتها النووية. ومن المؤكد أن دول الخليج العربية سترحب بالتعهدات المتكررة بمكافحة “المجموعات المدعومة من إيران مثل حزب الله اللبناني”.

وبالرغم من اللهجة الصارمة في NSS تجاه إيران، فإن الوثيقة لا تطرح أي استراتيجية تستوجب مقاضاة إيران ومواجهتها مع وكلائها أو صد نفوذهم. وهي لا تنظر بجدية إلى دور إيران في سوريا أو العراق، أو تقر باستحواذ طهران ووكلائها على المناطق الرئيسية على طول الحدود العراقية السورية، والتي يمكن، إذا ما تعززت، أن تخلق جسرًا بريًّا طال انتظاره بين إيران والبحر الأبيض المتوسط. تتذمر NSS من أن “إيران، وهي الدولة الرائدة في العالم الراعية للإرهاب، استغلت حالة عدم الاستقرار لتوسيع نفوذها من خلال الشركاء والوكلاء ونشر الأسلحة والتمويل”. ولكن هذا والعديد من الفقرات المماثلة هي في الأساس وصفية ولا تعكس الموقف، فلا تشير بأي شكل من الأشكال إلى ما تعتزم واشنطن القيام به لوقف هذا التوسع أو عكس اتجاهه، إلى جانب تعزيز الشراكات الإقليمية والحفاظ على وجودها العسكري.

مجلس التعاون الخليجي

تكرر استراتيجية الأمن القومي NSS التزام واشنطن بـ “مجلس التعاون الخليجي القوي المتكامل” حيث يبدو، من السياق، أنه بمثابة تشجيع خفي وضمني لحل النزاع مع قطر. في حين يتهم مستشار الأمن القومي هـربرت رايموند ماكماستر تركيا وقطر -ضمنيًّا بالتنسيق- ليصبحا الراعيين والممولين الرئيسيين الجديدين للمجموعات التي تروج للتطرف الإسلامي العنيف، ولا يوجد في NSS ما يعكس هذا المنظور. وتؤكد أن “بعض شركائنا يعملون معًا لرفض الأيديولوجيات الراديكالية” في إشارة بالتأكيد إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وقد يكون أو لا يكون المقصود منها أن تشمل قطر وغيرها. وتطرح مرة أخرى أن “شركاء واشنطن سيحصلون على قدرات الدفاع الصاروخي القابلة للتشغيل المتبادل”، وهو هدف أمريكي قديم لدول مجلس التعاون الخليجي، ولا يظهر ما يشير إلى أي تقدم عملي جاد بهذا الخصوص.

إسرائيل والقدس

إن آخر ما أثار الحساسية بين واشنطن وشركائها العرب الخليجيين هو إعلان ترامب الأخير بأن الولايات المتحدة تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل. ما زالت الإدارة تصبو إلى إمكانية اتباع نهج “بمواصفات خارجية” لعملية السلام في الشرق الأوسط من خلال جلب دول الخليج العربية وغيرها من الدول إلى عملية السلام وإيجاد حوار موسع مع إسرائيل حول حل القضية الفلسطينية ومواجهة إيران. وقد تعقد هذا الأمر للغاية بسبب إعلان القدس. ولا تشير NSS إلى هذه المسألة بشكل مباشر، لكنها تذكر أنه في حين أن “الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين قد يُفهم كمصدر إزعاج رئيسي يحول دون السلام والازدهار في المنطقة”، فالآن “تهديدات المنظمات الإرهابية الجهادية والتهديد الذي تشكله إيران تخلق مفهومًا بأن إسرائيل ليست السبب في مشاكل المنطقة”. وتعني هذه الفقرة أن واشنطن لا تزال تعتزم تطوير أجندة “من الخارج إلى الداخل” تستند إلى التهديدات المشتركة من الإرهاب وإيران، ولا تعتقد أن الاحتلال الإسرائيلي، حتى في القدس، يشكل قضية رئيسية على المدى الطويل بالنسبة للعديد من الدول العربية، وخاصة في الخليج. ومثل هذه التوقعات قد تقلل من شأن الأهمية السياسية والدينية والدبلوماسية المستمرة للقضايا الفلسطينية، وخاصة القدس، في العالمين العربي والإسلامي، بما في ذلك الخليج.

يريد الخليج أفعالاً تتبع الأقوال

إجمالا، ستلقى استراتيجية الأمن القومي ترحيبًا قويًّا في الخليج، على الرغم من قلة التفاصيل بشأن ما تعتزم الولايات المتحدة القيام به عمليًّا لمحاربة انتشار النفوذ الإيراني في المنطقة. ولكن التأكيدات المتكررة بأن التحالفات التقليدية ضرورية، وليست مشروطة بانتشار القيم الأمريكية، التي تتمحور حول مخرجات المقايضات والصفقات الفعالة، بل تستند إلى المصالح المشتركة بدلاً من الأيديولوجيات، ستكون موضع ترحيب كبير. كما أن الملاحظات المنفرة مثل الفقرة التي تؤكد على أن “الإرهابيين الجهاديين يحاولون إرغام أولئك الذين تحت نفوذهم على الرضوخ لقوانين الشريعة” سيتم إقصاؤهم، وربما بشكل أصح، في إيماءة إلى الدوائر الانتخابية المحلية التي تستجيب لهذه العبارات الطنانة غير الصائبة. ولأن معظم المضمون يتطابق بشكل وثيق مع مصالحهم الخاصة، فإن حلفاء واشنطن في منطقة الخليج العربية يأملون أن لا تقتصر المواضيع الرئيسية لـ NSS على الخطاب والطموح، بل تترجم إلى سياسات عملية وفعالة.

حسين إبيش هو باحث مقيم أول في معهد دول الخليج العربية في واشنطن.