February 10, 2017

معضلة الإدارة المالية في عُمان

مشهد للواجهة البحرية في مسقط (الصورة لوكالة أسوشيتد برس/ كريستوف إينا)

تعتمد عُمان سياسة خارجية حاذقة أما سياستها المالية فمتعثّرة. تواجه عُمان صعوبة في الموازنة بين الضغوطات المحلية والإصلاحات الاقتصادية الضرورية. ففي السياسة الخارجية، نجحت في الحفاظ على علاقات تجارية وسياسية مؤاتية مع إيران والدول المجاورة في مجلس التعاون الخليجي في وقت تتزايد فيه التوترات. في الواقع، يقوم حاليًا القسم الأكبر من تخطيط التنمية الاقتصادية في سلطنة عُمان على زيادة العلاقات التجارية والاستثمارية مع إيران. ويتزايد اعتماد عُمان على العلاقات مع إيران لتلبية احتياجاتها على صعيد البنى التحتية ولتحفيز القطاع غير النفطي فيها. وتعتمد عُمان أيضًا على مجلس التعاون الخليجي للدعم المالي ولا سيّما على صعيد تعهّدات المعونة منذ عام 2011. ولكي تحافظ عُمان على علاقات جيدة مع شركائها في مجلس التعاون الخليجي، وبخاصة المملكة العربية السعودية، قدّمت مؤخّرًا التزامًا (غير محدد) بالانضمام إلى التحالف السعودي لمكافحة الإرهاب. وتنفق عُمان مبالغ طائلة على الدفاع وشراء الأسلحة وكثّفت الإنفاق بشكل كبير بعد عام 2011 ولكنها لا تملك القدرة أو النية الواضحة على استخدامها ولا سيّما في العمليات العسكرية في الخارج. وشهد الإنفاق العسكري تباطؤًا بين ميزانيتي عام 2016 و2017 في ظلّ تخفيض أوسع نطاقًا للإنفاق. ولكن نظرًا لحجمها ووضعيتها الدفاعية في المنطقة، تزداد صعوبة تبرير هذه المصاريف أكثر فأكثر. والجدير بالذكر أن عُمان ترفض المشاركة عسكريًا في العمليات التي تقودها السعودية في اليمن ولكنها استضافت محادثات السلام. إن خيارات السياسة الخارجية ذكية واتُخذت بعناية ولكن التحديات التي تلوح في أفق عُمان تكمن على المستوى المحلي.

وأفادت تقارير عن حصول احتجاجات في 2 شباط/ فبراير فضلًا عن ضغوطات من النقابات العمالية في عُمان بسبب ارتفاع سعر البنزين. فالحكومة دعمت أسعار البنزين لسنوات ولكن بحلول عام 2015 بدأت بتخفيض الدعم مع تزايد الضغوطات على عائدات الحكومة من جرّاء تراجع أسعار النفط. وتقلّبت الأسعار في خلال السنة ونصف السنة الماضية ولا تزال الحكومة تديرها بسعر مدعوم.

المصدر: ترايدنغ إكونوميكس | وزارة النفط والغاز

وبحلول 8 شباط/ فبراير، رضخت الحكومة لضغط الاحتجاجات وحدّدت سعر البنزين بـ 186 بيسة للّيتر الواحد (حوالى 0.48 دولارًا) متعهّدة بشكل أساسي بعدم رفع الأسعار مجددًا ولكن هذا لا يعني بالضرورة تعهدًا بالعودة إلى أسعار ما قبل عام 2015. ولا يشكّل دعم البنزين سوى حلقة في سلسلة طويلة من التزامات الإنفاق (ومجالات التوفير المحتملة أيضًا) التي يتعيّن على الحكومة العُمانية تقييمها في ظلّ مواجهة تداعيات تقلّص عائدات النفط الحكومية. وكما هو الحال مع السياسات المالية كافة، يجري العمل على تحديد الأولويات لجهة خفض النفقات والحفاظ على الوعود. وتكمن المشكلة على ما يبدو في الاختلافات الكبيرة في تقدير الحكومة لعجز ميزانية عام 2017 وفي مصادرها من الاحتياطي الأجنبي. وقدّر تقرير حديث صدر عن محلّلين من شركة ستاندرد تشارترد أن الاحتياطيات الأجنبية الرسمية بلغت 18.7 مليارات دولار في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 وسجّلت بالتالي زيادة بقيمة 1.2 مليار دولار منذ نهاية عام 2015. أما السؤال المطروح فيتعلّق بمصدر هذه الاحتياطيات الإضافية التي لا يمكن تبريرها من خلال عائدات التصدير فهل أن مصدرها هو إصدار سندات الدين أو استخدام أصول الصندوق السيادي. ومن أجل تلبية احتياجات الإنفاق المتوقعة يزداد اعتماد عُمان على الدين (السندات الدولية والمحلية على حدّ سواء والاستدانة عن طريق القروض). ومع ذلك، ستستمر احتياجات الإنفاق في مواجهة عجز مع العلم أن نقطة التعادل تبلغ 80 دولارًا لبرميل النفط الواحد تقريبًا من أجل تلبية احتياجات الإنفاق في عُمان. وتوقّع المحلّلون في شركة كوميرسبانك أن لدى عُمان حوالى سنتين من الاحتياطي الأجنبي لتلبية احتياجات الإنفاق في حال بقيت أسعار النفط ضمن نطاق 40 دولارًا للبرميل. وتشكّل بالطبع الأصول الاحتياطية مصدرًا من مصادر التمويل ويقوم الاتجاه العام في دول مجلس التعاون الخليجي على الحصول على تمويل خارجي عن طريق الدين أو الخصخصة أو بيع الأصول قبل استخدام الاحتياطي. وستصبح دورة الدين مرهقة في حال استمرارها.

ويلوح في الأفق عجز في التخطيط المالي لعام 2017 في عُمان. ولن تكون على الأرجح التخفيضات المتوقعة في الإنفاق كافية لاحتواء العجز الذي تقدّر شركة ستاندرد تشارترد قيمته بـ 7.8 مليارات دولار أو ما يعادل 12 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي. ومن الأسباب التي ساهمت في زيادة العجز بدرجة كبيرة بين عامي 2015 و2017 انخفاض سعر بيع النفط الرسمي في عُمان عن متوسّط برنت وانخفاضه عن السعر المستهدف في ميزانية الحكومة والبالغ 45 دولارًا للبرميل. وفي حال عجزت الحكومة عن المضي قدمًا في تدابير توفير الكلفة وفي حال عجزت عن تأمين مصادر دخل بديلة عن طريق القروض وإصدار سندات الدين سيتعين على عُمان التركيز على زيادة العائدات عبر الخصخصة والمداخيل غير النفطية الجديدة. ومن المتوقع أيضًا زيادة الضرائب والرسوم، بما في ذلك تطبيق سياسة ضريبة القيمة المضافة على نطاق مجلس التعاون الخليجي في مطلع عام 2018. وقد تصل قيمة الدين الجديد إلى 70 في المئة من احتياجات تمويل العجز في عُمان في عام 2017.

وتجد عُمان نفسها أمام مفترق طرق، لا سيّما في آليات الإدارة المالية، ويرتبط ذلك مباشرة بالعلاقات بين الدولة والمجتمع. وفي حال نجحت الاحتجاجات المتواصلة في عرقلة خفض الإنفاق ستضطر الحكومة إلى تمويل إنفاقها عن طريق الدين وبيع الأصول وهذه ليست حلولًا للتنمية الطويلة الأمد. وستتطلّب زيادة الرسوم والضرائب وكلفة الخدمات المدعومة حاليًا كالكهرباء والمياه بعض المناورات السياسية الحساسة على الصعيد المحلّي. ولطالما اعتبر الباحثون أن التحكّم بالسياسة المالية، ولا سيّما القدرة على تمويل الاحتياجات العسكرية والأمنية، والإنفاق الاجتماعي السخي هما مصدران أساسيان لاستقرار النظام. وإذا شكّلت الاحتاجات المحلية، وكذلك التمويل المحدود، مصدر تهديد منتظم للسياسة المالية ستظهر على الأرجح بعض العواقب السياسية.

ماركت واتش هي مدونة أسبوعية تهدف إلى توسيع المعرفة بمنطقة التقاء السياسة والمال في دول الخليج العربية وهي من إعداد كارين إ. يونغ الباحثة المقيمة الأولى في معهد دول الخليج العربية في واشنطن.