January 13, 2017

الإصلاحيون السعوديون صامدون في ظل سياسة مالية جديدة

وزير المالية السعودي السابق إبراهيم العساف مستمعًا في خلال اجتماع لقادة مجموعة العشرين في سانت بطرسبرغ، روسيا في 5 أيلول/ سبتمبر 2013. (الصورة لأسوشيتد برس/ بعدسة سيرغي كاربوخين)

تظهر ميزانية السعودية لعام 2017 أن الإصلاح المالي فعّال إذ تبيّن على الأقل أن تخفيض الإنفاق يؤدي إلى تراجع في العجز. تسعى الحكومة إلى تخفيض العجز المالي من 11.7 في المئة في عام 2016 ليصل إلى 7.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2017. ويشكّل إعداد الميزانية وتوّقع معدّلات الإنفاق والإيرادات ركيزة أساسية للحوكمة في المملكة العربية السعودية وأي دولة أخرى. ولكن في السعودية، يحرّك الإنفاق الحكومي معظم النشاط الاقتصادي. وسيؤدّي ضبط المصاريف الحكومية والتسارع المرتقب لنمو القطاع الخاص اللذان ترتكز عليهما خطة رؤية المملكة العربية السعودية 2030 وبرنامج التحول الوطني المُعلن عنهما في منتصف العام الفائت إلى تقييم للخطة المالية على مدى السنة الأولى. ستُختبر حوكمة السعودية وسياستها المالية في عام 2017 عندما سيتّخذ القادة والتكنوقراط قرارات صعبة بشأن كيفية إنفاق عائدات النفط، وهو مصدر دخل الحكومة المتقلّب والأساسي، إلى جانب مصادر رؤوس الأموال الجديدة المتمثلة بالديون الدولية والمحلية وزيادة الضرائب والرسوم.      

ستستفيد الحكومة أيضًا إذا ارتفع سعر مصدر دخلها الرئيسي. فقد خفّف الارتفاع التدريجي لأسعار النفط في نهاية عام 2016 من الضغط المالي، ما قد يساعد الحكومة على الحفاظ على التخفيضات الحالية في الإنفاق الاجتماعي (بما في ذلك رواتب موظفي القطاع العام) وإعانات المرافق العامة ومواصلة السعي في الوقت عينه إلى توفير إضافي في التكاليف ويشمل ذلك خططًا لتخفيض ما يصل إلى 20 مليار دولار في المشاريع الحكومية الحالية. يرتكز الحفاظ على الزخم الإصلاحي على الموازنة بين ضرورة خفض التكاليف وتحسين توفير الخدمات الحكومية من الرعاية الصحية إلى الأمن. تتخّذ المملكة العربية السعودية على الأقل قرارات مدروسة جدًا حول كيفية إنفاق الموارد القليلة في عام 2017 في محاولة للحفاظ على الإصلاحات الصعبة التي دخلت حيّز التنفيذ في عام 2016.

الإصلاحات باقية

لم يُعلن عن أي خطط لخفض إضافي للدعم في عام 2017 ولكن ثمة خطط لفرض ضريبة للحد من استهلاك المشروبات المحلاة والتبغ في نيسان/ إبريل وضريبة قيمة مضافة بنسبة 5 في المئة سيبدأ العمل بها في أوائل عام 2018. من المتوقّع أن يشهد الإنفاق الحكومي، على الورق، زيادة متواضعة في عام 2017 بنسبة 6 في المئة تقريبًا وفقًا لكبيرة المحللين الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري مونيكا مالك. ولكن قد لا تعني هذه الزيادة الاستفادة من الإنفاق في أواخر عام 2016 لدفع المستحقات الحكومية المتأخرة للمتعاقدين. في الواقع، قدّرت شركة جدوى للاستثمار وبنك الإمارات دبي الوطني وشركة جي بي مورغان وبنك أبوظبي التجاري أن الإنفاق في ميزانية عام 2017 وتبلغ قيمته 890 مليار ريال سعودي (أكثر من 237 مليار دولار) سيبقى في الواقع مستقرًا أو سيتراجع عما كان عليه في عام 2016 بعد الأخذ بالاعتبار تسديد المستحقات المتأخرة للمتعاقدين في نهاية العام الفائت. لذلك، إن القوى السياسية المنادية بالتقشف والإصلاح المالي تبقى صامدة.

تتواصل الجهود الحالية التي تقودها السعودية لخفض إنتاج النفط لدى الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) ويؤدّي ذلك إلى ارتفاع سعر النفط العالمي. وأُعدّت ميزانية عام 2017 بناءً على الزيادة المرتقبة لعائدات النفط من 329 مليار ريال سعودي (حوالى 88 مليار دولار) في عام 2016 لتصل إلى 480 مليار ريال سعودي (128 مليار دولار تقريبًا). هذا وعكس إدراج عائدات النفط المتوقعة ضمن ميزانية عام 2017 درجة غير اعتيادية من الشفافية في الميزانية السعودية. إذا تقيّد إنتاج الخام السعودي باتفاق أوبك لإنتاج النفط، أي بحدود 10 ملايين برميل في اليوم، يرى المحلّلون أن توقعات الميزانية ستشمل تقديرًا لسعر برميل النفط بحوالى 55 دولارًا في عام 2017. لكن قد تعرقل عوامل أخرى متعددة هذه التوقعات وتزيد بالتالي من الضغط الذي تتعرّض له السعودية للحفاظ على تخفيضات الإنتاج. ويمكن للسعودية أن تحاول التحكّم في اقتصادها المحلّي ما لا تستطيع التحكم به في أسواق الطاقة الدولية.

مخصصات الوزارات

سيزداد التركيز في عام 2017 على كيفية توزيع الإنفاق الحكومي على الوزارات وكيف تنوي الحكومة تحفيز نمو القطاع الخاص. وتتركّز مخصصات عام 2017 إلى حد كبير في الدفاع والتعليم. وفقًا للتحليل الذي أجراه بنك الإمارات دبي الوطني، ستبلغ قيمة مخصصات الإنفاق العسكري والأمني والإدارة الإقليمية (كما تحددها وزارة المالية السعودية) مجتمعة 288 مليار ريال سعودي (حوالى 77 مليار دولار) أو ثلث إجمالي الميزانية تقريبًا. لكن ثمة على الأرجح مصادر إنفاق عسكري أخرى نظرًا لعدم توفّر بيانات عامة حول مخصصات المصادر أو إجمالي كلفة العمليات العسكرية السعودية في اليمن على سبيل المثال.

وتشمل الاعتبارات الخاصة في الميزانية لبرنامج التحول الوطني 42 مليار ريال سعودي (حوالى 11 مليار دولار) في مشاريع لعام 2017. وستشكّل كيفية توظيف الحكومة لاستثماراتها، لا سيّما من خلال توفير موارد مثل السكن الميسور التكلفة، بالشراكة مع القطاع الخاص اختبارًا مبكرًا أساسيًا للسياسة المالية السعودية الجديدة. وقد تشكّل أيضًا أي عمليات خصخصة قد تحصل في عام 2017 مصادر دخل جديدة، علمًا أن عملية الخصخصة وتقاسم الأرباح ستتمتّع بالقدر عينه من الأهمية التي يتمتع بها رأس المال الفعلي الذي تم جمعه.

screen-shot-2017-01-18-at-9-35-18-am

تمويل العجز

ستسجّل المملكة العربية السعودية بكل تأكيد عجزًا في عام 2017 أيضًا، علمًا أنه سيبقى منخفضًا (كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي) بالمقارنة مع عجز بعض البلدان المجاورة، وستكون بكل تأكيد نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي أقل من الكثير من الاقتصادات المتقدمة. وفقًا للبحث الذي أجراه بنك الإمارات دبي الوطني، ارتفع دين الحكومة السعودية ليصل إلى 13.2 في المئة في عام 2016 أي أكثر من ضعف النسبة في العام السابق وإن لم يكن ذلك غير مسبوق في التاريخ الحديث. وبسبب الشذوذ في الثروة التي نتجت عن ارتفاع أسعار النفط في العقد الأخير لم ترَ السعودية ضرورة في البحث عن تمويل خارجي. وقد تلجأ السعودية إلى المزيد من الاستدانة في عام 2017 وسترتفع بالتالي نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي قريبًا جدًا ولكن حصصها ستبقى متواضعة بالمقارنة مع اقتصادات أخرى من مجموعة العشرين.

screen-shot-2017-01-18-at-9-37-36-am

من الضروري أيضًا لفت النظر إلى أن دين السعودية للدائنين المحليين أكبر من دينها لحاملي السندات الدوليين، وهذا يثير التساؤلات حول الأثر المترتب على قدرة القطاع المصرفي المحلي ومستثمري القطاع الخاص على تمويل المزيد من احتياجات الحكومة. وكما يظهر في البحث الذي أجرته شركة الجدوى للاستثمار، شكّل إصدار الحكومة لسندات الدين للدائنين المحليين الآلية التقليدية لتمويل العجز المالي في تاريخ المملكة العربية السعودية الحديث.

screen-shot-2017-01-18-at-9-39-28-am

المصدر: جدوى للاستثمار

لكن السعودية لم تواجه قط مشكلة في الحصول على رؤوس الأموال عند تمويل الدين وإنما افتقرت لخطة حكومية واضحة لدرّ الدخل وتأمين نمو اقتصادي متنوّع لا يرتكز على الصادرات النفطية بهدف جعل الدين مسارًا للتحوّل الاقتصادي وليس نمط تخطيط مالي. إن المزاح بشأن حاجة السعودية إلى الانتقال لا إلى حقبة ما بعد النفط وإنما إلى حقبة ما قبل النفط صائب لجهة ضرورة تأمين المكونات الأساسية لبناء اقتصاد رأسمالي وقطاع خاص ناشئ قد تسعى عندها الدولة لفرض الضرائب عليه. بدلًا من ذلك، إن الدولة هي الأساس في بناء الاقتصاد ويرتبط معظم الطلب على السلع والخدمات بها. فلا يساعد الحد من دور الدولة كمستهلك الاقتصاد السعودي بل يبطئه وذلك على المدى القصير على الأقل.

مصادر دخل جديدة

يترقّب الاقتصاد الجديد دورًا أكثر أهمية للقطاع الخاص في درّ الثروات وتوفير فرص العمل. ولكن تاريخيًا، كانت الدولة هي المحرّك للتوسّع الاقتصادي في السعودية. يفتقر القطاع الخاص لوعاء ضريبي واضح لذلك لن تسترجع الدولة بسهولة الحوافز المالية التي تستهدف القطاع الخاص بشكل ضريبة على الشركات أو الدخل. وكما أفاد ستيفين هيرتوغ، ستدرّ خطط الضريبة على القيمة المضافة عائدات أقل من الرسوم الجديدة على تأشيرات الدخول المفروضة على العمّال الأجانب. لقد فرضت الحكومة رسمًا بقيمة 100 ريال سعودي (حوالى 27 دولارًا) في الشهر على كل عامل أجنبي في قطاع التجارة في حين ستبدأ ضريبة الأراضي غير المستغلّة بدرّ الدخل للحكومة في عام 2017. تقدّر توقعات صندوق النقد الدولي لعائدات الحكومة من الضريبة على القيمة المضافة زيادة سنوية بنسبة 1.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. تشكّل الضرائب والرسوم مصدرًا هامًا ولو ما زال صغيرًا لعائدات الحكومة غير النفطية ولكن تبدو بعض آليات توفير الكلفة في إدارة الموارد الحالية واعدة. وفقًا لمحلّلي بنك أبوظبي التجاري، شهدت عائدات استثمارات أرصدة مؤسسة النقد العربي السعودي، أي أصول البنك المركزي، ارتفاعًا ملحوظًا في عام 2016 وشكّلت 31 في المئة من العائدات غير النفطية في عام 2016 بعدما بلغت 21 في المئة في عام 2015.

إصلاحات في مختلف أنحاء مجلس التعاون الخليجي

بالمقارنة مع دول مجلس التعاون الخليجي، تقلّبّت نفقات الميزانية السعودية المعلن عنها كثيرًا في السنوات الثلاث الماضية – كما ذُكر سابقًا، إن النفقات المعلن عنها لعام 2017 تفوق تلك لعام 2016 ولكن الدفعات المتأخرة للمتعاقدين والنفقات لا تظهر هنا. ولقد شهدت عُمان وقطر تراجعًا كبيرًا لجهة نسبة الإنفاق.

نفقات حكومات دول مجلس التعاون الخليجي (بمليارات الدولارات)
البلد201520162017
الإمارات العربية المتحدة13.4913.3413.38
البحرين9.569.77
السعودية268.68226.65244.51
الكويت62.6961.78
عُمان36.6230.9130.39
قطر6055.6354.51

المصدر: وزارة المالية السعودية؛ وزارة المالية البحرينية؛ وزارة مالية الإمارات العربية المتحدة؛ رويترز – 1، 2، 3، 4؛ بي دبليو سي؛ بنك الكويت الوطني؛ العربية؛ زاوية

تبرز في الطريقة التي تخصص فيها الحكومة النفقات للوزارات توجهات ثابتة تعطي الأولوية للإنفاق الاجتماعي ولا سيّما في مجالي الصحة والتعليم. ولكن الإنفاق العسكري والدفاعي في مختلف أرجاء مجلس التعاون الخليجي لا يتراجع في عصر الإصلاح المالي. للمقارنة، تواصل ميزانية الإمارات لعام 2017 التي لم تزداد تكريس مستويات الإنفاق في مجال الخدمات الصحية والاجتماعية. على مستوى إماراة الشارقة، تُبذل جهود محلية أكبر في مجال الحوكمة المالية مع ازدياد ميزانية الشارقة لعام 2017 بالمقارنة مع ما كانت عليه في عام 2016. وتشمل ميزانية الشارقة زيادات كبيرة في الإنفاق المخصص للاستثمار في القوى العاملة الوطنية والجهود لتحسين البنى التحتية وتشكّل 31 في المئة من الميزانية، وذلك من أجل جعل آفاق التنمية الاقتصادية في الإمارة قادرة على المنافسة لنمو فرص العمل والأعمال في القطاع الخاص. ويشكّل الإنفاق على الثقافة والتعليم حوالى 20 في المئة من ميزانية الشارقة لعام 2017.

تشير هذه التوجهات إلى أن الطريقة التي تختارها حكومات دول مجلس التعاون الخليجي لتخصيص الموارد المالية باتت تتمتّع بالقدر عينه من الأهمية التي تُعطى للمبلغ الذي تنفقه. ستُختبر خيارات المملكة العربية السعودية في الحوكمة المالية عبر قدرتها على تلبية احتياجات المواطنين وتمكّنها من تأمين النمو الاقتصادي ولا سيّما عبر إبداعها وكفاءتها في تخصيص الموارد.

ماركت واتش Market Watch مدوّنةٌ أسبوعية من إعداد الباحثة المقيمة الأولى في معهد دول الخليج العربية في واشنطن كارين إ. يونغ، تهدف إلى تقديم آراء من نقاط التقاء مجالَي السياسة والمال في منطقة الخليج.