February 2, 2018

ترامب والبحث عن استراتيجية في الشرق الأوسط

Trump State of Union
الرئيس دونالد ترامب اثناء إلقائه أول خطاب له عن الحالة الاتحادية للبلد في مجلس النواب في جلسة مشتركة لأعضاء الكونغرس، 30 كانون الثاني/يناير، ويظهر في الصورة نائب الرئيس مايك بنس ورئيس مجلس النواب بول راين وهما يصفقان.(وين ماكنامي/بواسطة اسوشيتدبرس)

يشكو الرئيس دونالد ترامب أن ما ورثه من سلفه الرئيس باراك أوباما في الشرق الأوسط، هو حربا لم تُحسم ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا والعراق، ومنطقة تعصف فيها الاضطرابات السياسية، واتفاق نووي مع إيران يصفه “بالمروِّع”، تم التوصل إليه في الوقت الذي كانت فيه إيران تعزز من نفوذها العسكري والسياسي في العراق وسوريا ولبنان، إضافة إلى اليمن، حيث أصبح لها للمرة الأولى نفوذا ملحوظا بسبب دعمها العسكري للحوثيين في حرب استنزاف طويلة ومأساوية جلبت الجوع والأمراض إلى ملايين اليمنيين.

ويحمّل ترامب سلفه أوباما مسؤولية هذا الوضع المتردي في المنطقة، لأنه لم يتصد بحزم لإيران وسياساتها المناهضة لأمريكا وحلفائها في الشرق الأوسط، ولأنه لم يحسم القتال ضد إرهابيي “الدولة الإسلامية” بسرعة، ولأنه التزم بتواريخ اصطناعية لسحب القوات الأمريكية من المنطقة وأفغانستان، ولأنه أخفق في منع انحدار علاقات واشنطن الثنائية مع حلفائها التقليديين في المنطقة مثل مصر وتركيا والسعودية وحتى إسرائيل. ولكن أي مراجعة دقيقة لسياسات ترامب تجاه المنطقة خلال سنته الأولى في الحكم، تبين أنه إما واصل سياسة أوباما، أو عدلها هامشيا، أو زاد من تفاقم أزمات مزمنة، كما أخفق في حل أزمات انفجرت بعد وصوله إلى البيت الأبيض مثل الأزمة بين قطر والسعودية والإمارات ومصر والبحرين.

بعد سنة من بدء ولايته، أصبح ترامب شاء أم أبى يملك هذا الإرث الثقيل والصعب. في خطابه الأول عن حالة الاتحاد الفيدرالي أمام مجلسي الكونغرس، أعرب ترامب عن اعتزازه لأن الائتلاف الذي تقوده الولايات المتحدة لهزيمة “الدولة الإسلامية”، قد “حرر تقريبا مئة بالمئة من الأراضي التي كان هؤلاء القتلة يحتلونها في العراق وسوريا”. ولكن ترامب الذي قرر إبقاء نحو ألفي عسكري في شمال شرق سوريا لمواصلة الحرب ضد الإرهابيين، ولتذكير إيران بأن أمريكا لن تسلم هيمنتها على سوريا، مضيفا “ولكن لا يزال أمامنا المزيد من العمل، وسنواصل قتالنا إلى حين هزيمة  تنظيم الدولة الإسلامية”. وكعادته في عدم تضييع أي فرصة لانتقاد سلفه أوباما، قال ترامب “في الماضي تصرفنا بغباء عندما أطلقنا سراح المئات من الإرهابيين الخطرين، لكي نواجههم مرة أخرى في ميدان المعركة، بمن فيهم قائد الدولة الإسلامية – البغدادي”.

“ترامب السوري” لا يختلف عن “أوباما السوري”

ولكن إدارة الرئيس ترامب للحرب ضد “الدولة الإسلامية” لم تختلف جذريا عن إسلوب أوباما الحذر في تفادي زج القوات الأمريكية (من مدربين وقوات خاصة ومستشارين) في أي مهام قتالية برية، ومواصلة الاعتماد على القوات الجوية، وتوفير الدعم الاستخباراتي واللوجستي والمدفعي “لقوات سوريا الديمقراطية” المؤلفة من مقاتلين أكراد وعرب، والتي تهيمن عليها “وحدات الحماية الشعبية” المرتبطة تاريخيا بحزب العمال الكردستاني في تركيا والذي يقاتل السلطات التركية منذ عقود والمصنف، تركيا وأمريكيا، كتنظيم إرهابي. صحيح أن الرئيس ترامب كثف من الغارات الجوية، وأعطى الضباط الأمريكيين صلاحيات أوسع، ولكنه لم يغير جذريا الأسلوب الخاطئ الذي اعتمدته إدارة الرئيس أوباما، أي شن حرب حذرة للغاية ودون المجازفة بنشر قوات برية أمريكية تتعاون مع قوات نظامية من دول إقليمية، من بينها السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وغيرها، كما عرضت هذه الدول على الرئيس أوباما، الذي رفض عرضها. هذا الأسلوب المفرط في حذره، أطال أمد الحملة الجوية لثلاث سنوات، كانت عواقبها على الشعب السوري كارثية، وسهّلت على روسيا أن تتدخل عسكريا بشكل مباشر في 2015، في تحول استراتيجي أدى إلى تعزيز سيطرة نظام الأسد على معظم المدن في غرب سوريا باستثناء محافظة إدلب.

أيضا، اعتمد ترامب السياسة الخاطئة التي اعتمدها أوباما، حيث خصصت الولايات المتحدة مواردها وجهودها على هزيمة الدولة الإسلامية، وهادنت عمليا وميدانيا نظام الأسد، ولم تتحرك سياسيا ودبلوماسيا خلال السنة الماضية لتحدي الجهود السياسية الروسية التي طمست “عملية جنيف” واستبدلتها “بعملية سوتشي” للتوصل إلى حل سياسي للنزاع، وهو هدف غير متوقع في أي وقت قريب، لأن روسيا وإيران مصرتان على بقاء الأسد في السلطة. غياب الديبلوماسية الأمريكية، والرسائل المتناقضة التي بعثتها واشنطن لكل من تركيا والأكراد، هي من بين الأسباب التي عجلت في المواجهة العسكرية بين تركيا وأكراد سوريا في “قوات سوريا الديمقراطية” بعد اجتياح تركيا لمدينة عفرين، وتهديد الرئيس طيب رجب أردوغان بتقدم القوات التركية إلى مدينة منبج، التي تتواجد فيها عناصر من القوات الأمريكية. بعد الاجتياح التركي لعفرين، تحركت الدبلوماسية الأمريكية من خلال الوزير ريكس تيلرسون، ونائب مساعد الوزير للشؤون الأوروبية لطمأنة تركيا بأن واشنطن تتفهم قلقها الأمني. ومن الواضح أن الخارجية الأمريكية التي خفض البيت الأبيض من ميزانيتها وهمشها إلى حد كبير من خلال إبقاء مناصب رئيسية فيها خالية (من بينها مناصب مساعدي وزير الخارجية للشؤون الأوروبية وشؤون الشرق الأوسط، ومنصب السفير في أنقرة) لم تدرك مدى الاستياء التركي من العلاقة المتنامية بين القوات الأمريكية وأكراد سوريا. ولو اعتمدت واشنطن موقفا واضحا في تعاملها مع تركيا والأكراد، بمعنى أن تؤكد للطرفين ما هو مقبول وما هو غير مقبول لها في سوريا، لربما كان بإمكانها تفادي تورط حليفتها تركيا، وشركائها الأكراد في سوريا في قتال المستفيد الأول منه هو نظام الأسد، وروسيا وإيران وتنظيم الدولة الإسلامية.

الاجتياح التركي لعفرين، وموقف واشنطن الفاتر تجاهه والذي فسره البعض، بمن فيهم الأكراد، على أنه ضوء أخضر، طالما لم يشمل منبج وبقي محدودا، زمنيا وجغرافيا، يهدد بتأزيم علاقات واشنطن مع الأكراد في المنطقة كلها. ولا تزال المضاعفات السلبية للنكسة العسكرية التي مني بها أكراد العراق في معركة كركوك في الصيف الماضي على يد الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران، لا تزال تلقي بظلها الثقيل على علاقات بغداد مع أربيل، وعلاقات الأخيرة مع واشنطن.

فيالق طهران الشيعية الأجنبية

يرى الرئيس ترامب، كما تبين مواقفه العلنية، وما ينقله المسؤولون في البيت الأبيض عنه، وفقا لكتاب “النار والغضب” الذي أثار ضجة كبيرة مؤخرا، يرى إيران مصدر المشاكل في الشرق الأوسط. وهو لا يفوت فرصة ولا ينتقد فيها النظام الإيراني وسلوكه الإقليمي ويركز على الأخص على الاتفاق النووي “الأسوء في التاريخ” كما يقول. ولكن ترامب تطرق إلى إيران في خطابه عن حالة الاتحاد بشكل عابر. وتحدث بالتحديد عن التظاهرات الشعبية الاحتجاجية قبل أسابيع، قائلا إنه عندما انتفض الإيرانيون في نهاية 2017 ضد “جرائم ديكتاتوريتهم الفاسدة، أنا لم ألتزم الصمت. وأمريكا تقف مع شعب إيران في نضاله الشجاع من أجل الحرية”. وهنا كان ترامب يقول، من جملة ما يقوله، إنه بعكس الرئيس أوباما الذي تأخر لأيام قبل انتقاد قمع السلطات الإيرانية للتظاهرات الاحتجاجية على تزوير انتخابات 2009، فإنه على العكس سارع في اتخاذ موقف واضح منها. هذا صحيح، ولكن ترامب في 2017، مثله مثل أوباما في 2009، لم يفعل أي شيء غير التعاطف اللفظي. صحيح أن ترامب رفض التصديق على التزام إيران بتطبيق بنود الاتفاق النووي، وهو التزام تؤكده أجهزة الاستخبارات الأمريكية، إلا أنه لم ينفذ حتى الآن التزامه خلال الحملة الانتخابية بإلغاء الاتفاق. ومرة أخرى قام ترامب في خطابه عن حالة الاتحاد برمي الكرة للمرة الثالثة في ملعب الكونغرس حين طلب منه –وقبل ذلك من الأوروبيين – تعديل “الأخطاء الأساسية في الاتفاق النووي الرهيب مع إيران”. وما هو واضح حتى الآن، فإن ترامب لا يريد أن يتحمل مباشرة مسؤولية إلغاء هذا الاتفاق. ومع أن المسؤولين الأمريكيين يقولون إن بقاء عدد محدود من العسكريين الأمريكيين في سوريا يهدف من جملة ما يهدف اليه تذكير إيران بأن أمريكا لن تخلق فراغا في سوريا تملؤه إيران، الا أن العديد من المراقبين لا يرون في هذا الوجود المحدود تحديا جديا لإيران في سوريا. وحتى لم يقم ترامب باتخاذ أي اجراءات عملية للتصدي للنفوذ الإيراني المتنامي في المنطقة.

جاء في مقال للمحلل والخبير في الشؤون الإيرانية علي الفوني، ونشره موقع مؤسسة كارنيغي للسلام العالمي، بعنوان “فيالق طهران الشيعية الأجنبية”، أن النظام الإيراني قد نجح خلال سنوات طويلة من العمل الدؤوب على إنشاء فيالق وميليشيات شيعية “تضمن للجمهورية الإسلامية ممرا بريا يربط غرب أفغانستان في آسيا الوسطى، بإيران والعراق وسوريا ولبنان إلى شواطيء البحر الأبيض المتوسط”. ويتطرق المقال إلى قدرة هذه الميليشيات ودورها الإقليمي في حربي سوريا والعراق من خلال دراسة عدد قتلاها، ويضيف “ووفقا لقراءات دقيقة للتقارير الصحفية حول الجنازات في إيران والعراق ولبنان للمقاتلين الشيعة الأجانب الذين قتلوا في سوريا والعراق أن 535 مواطن إيراني قتلوا في المعارك السورية بين يناير 2012 ويناير 2018. بالمقارنة مع 841 أفغاني على الأقل و112 عراقي و 1213 لبناني و153 باكستاني، وكلهم من المقاتلين الشيعة قد قتلوا في سوريا خلال الفترة الزمنية ذاتها”.

ووفقا للمقال، ينتمي هؤلاء المقاتلون إلى تنظيمات شيعية، أبرزها وأهمها تاريخيا حزب الله اللبناني. وفي أفغانستان ينتمون إلى “فرقة الفاطميون”، التي أسسها أفغاني كان يقيم في إيران. أما في باكستان فإنهم ينتمون إلى “كتيبة  الزينبيون”. وفي العراق، فهم ضمن “قوات الحشد الشعبي”.

ويبين تعامل ترامب مع النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي وخاصة اعترافه بالقدس كعاصمة لإسرائيل، أن فرص إجراء أي مفاوضات سلام في المستقبل المنظور معدومة، مع ما يعنيه ذلك من احتمال تدهور الأوضاع أكثر وحدوث أعمال عنف. وهناك اعتقاد ساذج في أوساط إدارة أوباما يرى أن مصر والدول الخليجية قادرة على “تسليم” وفد فلسطيني إلى المفاوضات. وكان من اللافت أن ترامب في خطاب حالة الاتحاد، حذر الدول التي تحصل على مساعدات أمريكية سنوية، من أنها ستتعرض إلى عقاب أمريكي وتخسر المساعدات إذا صوتت في الأمم المتحدة ضد سياسات ومواقف الولايات المتحدة. وهذا ليس تهديدا فارغا، فقد قررت واشنطن تخفيض مساعداتها السنوية لوكالة إغاثة اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) والتي تزيد عن 300 مليون دولار، بنسبة 65 مليون دولار. تهديد ترامب للدول التي تعارض سياساته يمكن أن يفهم على أنه موجه ضمنا إلى دول صوتت في الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد قراره المتعلقة بالقدس، مثل مصر ولبنان والأردن.

الرسائل الأمريكية المتناقضة لأطراف النزاع الخليجي في الصيف الماضي، وتردد واشنطن بلعب دور فعال لرأب الصدع بين قطر والرباعية العربية، أطال الأزمة وعطل من فرص نجاح أي جهود تقوم بها واشنطن للتصدي للهيمنة الإيرانية في منطقة الخليج. وتقول مصادر مطلعة على الاتصالات التي تقوم بها واشنطن مع الدول المعنية، وتحديدا قطر والامارات والسعودية، أن المسؤولين الأمريكيين لم يعودوا يتحدثون بأكثر من صوت مع الدول الخليجية الثلاثة، وأن هناك رغبة حقيقية يشارك فيها البيت الأبيض ووزارتي الدفاع والخارجية بالقيام بمبادرة أمريكية لحل الأزمة من خلال دعوة الرئيس ترامب لقادة مجلس التعاون الخليجي إلى قمة أمريكية-خليجية في كامب ديفيد، كما حدث خلال آخر سنة في ولاية الرئيس أوباما. وإذا نجح ترامب في هذا المسعى، فأنه سيكون قد حقق إنجازا ملحوظا تتخطى مضاعفاته منطقة الخليج.

هشام ملحم هو زميل غير مقيم في معهد دول الخليج العربية في واشنطن.